محمد الغزالي

245

فقه السيرة ( الغزالي )

فلما غزا بدرا ، وقتل اللّه من قتل من صناديد قريش ، وقفل رسول اللّه عليه الصلاة والسلام وأصحابه منصورين غانمين معهم أساراهم ، قال عبد اللّه بن أبيّ ومن معه من المشركين عبدة الأوثان : هذا أمر قد توجّه ( أي : استمر ، فلا مطمع في إزالته ) فبايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الإسلام فأسلموا . . على أنّ هذا الخداع لاذ به فريق من الكفار في الوقت الذي عالن فيه فريق اخر من اليهود بسخطهم على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وألمهم للهزيمة التي أصابت قريشا في ( بدر ) ؛ بل إن كعب بن الأشرف - من رجالات اليهود - أرسل القصائد في رثاء قتلاهم والمطالبة بثأرهم ! . ولقد اتسعت شقة العداوة بين المسلمين واليهود إثر هذا الموقف النابي . ثم حاول اليهود أن يحقّروا من شأن النصر الذي حظي به الإسلام ، مما مهّد للأحداث العنيفة التي وقعت بعد ، ودفع اليهود ثمنها من دمهم أفرادا وجماعات . أما البدو الضاربون حول المدينة ، وعلى طرق القوافل فهم قوم همل ، لا يهمّهم شيء من قضايا الكفر والإيمان ، إنّما يهمّهم اكتساب القوت من أي وجه ، والحصول عليه ولو عن طريق السلب والنهب ، وتاريخهم الحديث مع قوافل الحجاج شاهد صدق على أنهم لا يرعون حرمة ، ولا يخشون إلا القوة ، ولولا بطش السعوديين بهم ما أمن طريق الحجّ قط ! وقد سبق لهم استياق نعم المدينة ، وما ورثوه من جاهلية طامسة ، جعل قلوبهم مع مشركي الجزيرة ، وقد ذعروا لانتصار المسلمين في بدر ، وأخذت جموعهم تحتشد تبغي انتهاز فرصة للإغارة على المدينة ، ولكنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم نهض إلى جموعهم ، فشتتها ، ولم يلق في إرهابهم متاعب ذات بال .